ابن خلدون

239

تاريخ ابن خلدون

طاهر فولاه الأسواق وشاطئ دجلة وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان وكل ما غلب عليه من الدروب وأمده بالرجال والأموال ووكل الأمين بقصر صالح وقصر سليمان ابن المنصور إلى دجلة بعض قواده فألح في احراق الدور والرمي بالمجانيق وفعل طاهر مثل ذلك وكثر الخراب ببغداد وصار طاهر يخندق على ما يمكنه من النواحي ويقاتل من لم يجبه وقبض ضياع من لم يخرج إليه من بني هاشم والقواد وعجز الأجناد عن القتال وقام به الباعة والعيارون وكانوا ينهبون أموال الناس واستأمن إليه القائد الموكل بقصر صالح فأمنه وسلم إليه ما كان بيده من تلك الناحية في جمادى الأخيرة من سنة سبع واسستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب الشرطة فوهن الأمين واجتمع العيارون والباعة والأجناد وقاتلوا أصحاب طاهر في قصر صالح وقتلوا منهم خلقا وكاتب طاهر القواد بالأمان وبيعة المأمون فأجابه بنو قحطبة كلهم ويحيى بن علي ابن ماهان ومحمد بن أبي العباس الطائي وغيرهم وفشل الأمين وفوض الامر إلى محمد ابن عيسى بن نهيك والى الحسن الهرش ومعهم الغوغاء يتولون أمر تلك الفتنة وأجفل الناس من بغداد وافترقوا في البلاد ولما وقع بطاهر في قصر صالح ما وقع بأصحابه شرع في هدم المباني وتخريبها ثم قطع الميرة عنهم وصرف السفن التي تحمل فيها إلى الفرات فغلت الأسعار وضاق الحصار واشتد كلب العيارين فهزموا عبيد الله ابن الوضاح وغلبوه على الشماسية وجاء هرثمة ليعينه فهزموه أيضا وأسروه ثم خلصه أصحابه وعقد طاهر جسرا فوق الشماسية وعبر إليهم وقاتلهم أشد قتال فردهم على أعقابهم وقاتل منهم بشرا كثيرا وعاد ابن الوضاح إلى مركزه وأحرق منازل الأمين بالخيزرانية وكانت النفقة فيها بلغت عشرين ألف درهم وأيقن الأمين بالهلاك وفر منه عبد الله بن حازم بن خزيمة إلى المدائن لأنه اتهمه وحمل عليه السفلة والغوغاء ويقال بل كاتبه طاهر وقبض ضياعه فخرج عن الأمين وقصد الهرش ومن معه جزيرة العباس من نواحي بغداد فقاتلهم بعض أصحاب طاهر وهزموهم وغرق منهم خلق كثير وضجر الأمين وضعف أمره وسار المؤتمن بن الرشيد إلى المأمون فولاه جرجان وكاتب طاهر خزيمة بن حازم ومحمد بن علي بن موسى بن ماهان وأدخلهما في خلع الأمين فأجاباه ووثبا آخر محرم من سنة ثمان وتسعين فقطعا جسر دجلة وخلع الأمين وبعث إلى هرثمة وكان بإزائهما فسار إليهما من ناحيته ودخل عسكر المهدى وملكه وقدم طاهر من الغد إلى المدينة والكرخ فقاتلهم وهزمهم وملكها عنوة ونادى بالأمان ووضع الجند بسوق الكرخ وقصر الوضاح وأحاط بمدينة المنصور وقصر زبيدة وقصر الخلد من باب الجسر إلى باب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة